اقتصاد الهند
إعادة توازن الاقتصاد الهندي: كيف تواجه المرونة المحلية العاصفة التجارية العالمية؟
خلف رقم النمو البالغ 6.5%، يمر الاقتصاد الهندي بتحول هيكلي من "انكشاف منخفض ونمو سريع" إلى "انفتاح مرتفع وحاجة إلى إعادة توازن".
الحقيقة الهيكلية تحت هالة النمو
في عام 2025، الذي يشهد إعادة تشكيل عميقة للمشهد الاقتصادي العالمي، تظل الهند واحدة من الاقتصادات الكبيرة القليلة التي تحافظ على معدلات نمو مرتفعة. تتوقع كريسيل أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي للهند في السنة المالية 2026 نحو 6.5%، بما يعادل مستواه في السنة المالية 2025. ومع وفرة الأمطار الموسمية، وانخفاض أسعار النفط العالمية، والتراجع التدريجي لأسعار الفائدة، يبدو هذا الرقم مستقرًا إلى حد كبير. لكن ما يغفله الكثيرون هو أن هذا النمو البالغ 6.5% يأتي في بيئة خارجية مختلفة تمامًا عن البيئة التي سادت خلال العقد الماضي — فالصراعات الجمركية العالمية تعيد تشكيل مسارات التجارة، والاقتصاد الأمريكي يتباطأ، والنمو الأوروبي ضعيف، بينما تواجه الصين فائضًا في الطاقة الإنتاجية وضغوطًا انكماشية.
وبعبارة أخرى، لم يعد جوهر النمو الاقتصادي الهندي هو "ما مدى سرعة الهند"، بل "كيف تعيد الهند معايرة محركات نموها في عصر انعكاس العولمة"؟
من النمو المرتفع الناتج عن التعافي إلى النمو الاتجاهي
باستعراض مسار النمو الاقتصادي الهندي في السنوات الأخيرة: في العقد الذي سبق جائحة كوفيد-19 (2010-2019)، نما الاقتصاد الهندي بمتوسط سنوي بلغ 6.6%. وبعد الجائحة، وبسبب أثر القاعدة المنخفضة والإنفاق الاستثماري الحكومي، ارتفع معدل النمو خلال السنوات المالية 2022 إلى 2024 ليصل مؤقتًا إلى 8.8%. أما الآن، فإن توقع نمو بنسبة 6.5% يعني أن الهند تخرج من مرحلة التعافي بعد الأزمات، وتعود إلى مسار نمو أكثر استدامة وأقرب إلى الناتج المحتمل.
وهذه العودة إلى المسار الطويل لم تحدث بين ليلة وضحاها. ففي السابق، أدى التضخم المرتفع إلى رفع أسعار الفائدة، وتلاشى التحفيز المالي تدريجيًا، فانخفض النمو الهندي إلى مستوى أدنى. غير أن أساسيات الاقتصاد الكلي الهندي شهدت تحولًا نوعيًا: تواصل مؤشرات مديري المشتريات للتصنيع والخدمات البقاء في نطاق التوسع، ويحل الاستثمار الثابت بشكل متزايد محل الإنفاق الحكومي ليصبح المحرك الرئيسي للنمو، وبينما يشهد الاستهلاك المحلي انقسامًا في بنيته، فإن قاعدته تتسع. وتشير دراسة كريسيل إلى أن نمو الاستهلاك في الريف قوي نسبيًا، في حين أن الاستهلاك الحضري لم يشهد بعد انتعاشًا حاسمًا. وهذا هو الأساس المنطقي الذي تنطلق منه تخفيضات الضرائب وتحول السياسة النقدية.
التضاعف الصامت لدرجة الانكشاف على العولمة
ربما يكون المفتاح الأهم لفهم الوضع الراهن للاقتصاد الهندي هو مجموعة أرقام لم تحظ بالتقدير الكافي: في السنة المالية 2002، بلغت الصادرات الهندية 12.6% فقط من الناتج المحلي الإجمالي، وبلغت التدفقات المالية (بما في ذلك الاستثمار الأجنبي المباشر واستثمارات المحافظ وغيرها) 8.9% من الناتج المحلي الإجمالي؛ وبحلول السنة المالية 2025، قفز هذان الرقمان إلى 21.2% و28.5% على التوالي. فقد أصبح اندماج الاقتصاد الهندي في الأسواق العالمية أكبر بنحو 2.5 مرة خلال العقدين الماضيين.
وهذا الارتفاع في درجة الانكشاف هو نتيجة لاندماج الهند الطوعي في سلاسل التوريد العالمية، ويعني أيضًا أن كل اضطراب في العالم الخارجي سينتقل إلى داخل الهند بسعة أكبر. إذ تستحوذ الولايات المتحدة على نحو 20% من صادرات الهند السلعية، في حين يستحوذ الاتحاد الأوروبي على 17.3%. ورغم أن الصين لا تستقبل مباشرة إلا 3.3% من الصادرات الهندية، فإنها باعتبارها أكبر مصدر لواردات الهند (بنسبة 15%)، قد يهدد فائضها الإنتاجي الصناعة المحلية الهندية عبر صادرات الإغراق. وقد كانت الرسوم الجمركية الحمائية التي فرضتها الهند على بعض السلع المستوردة في وقت سابق إشارة تستحق الانتباه.المكاسب التي يجنيها الاقتصاد الهندي من العولمة تخوض سباقاً مع "مخاطر العولمة". في الماضي، صمدت الهند في وجه الأزمة المالية الآسيوية والأزمة المالية العالمية وجائحة كوفيد-19 بفضل سوقها المحلية المنغلقة نسبياً؛ أما اليوم، وبعد أن أصبحت الهند مندمجة بعمق في شبكة التجارة العالمية، فهل ما زالت قادرة على حماية نفسها والانعزال عن الأضرار كما كانت تفعل سابقاً؟ الإجابة ليست مؤكدة إلى هذا الحد.
سلسلة انتقال العدوى في ظل الصراع التجاري: الصدمات المباشرة والتموجات غير المباشرة
يسري تأثير السياسة الجمركية الأمريكية على الهند عبر مسارين. الأول هو الحواجز الجمركية المباشرة. ففي الوقت الحالي، لم تُحسم الاتفاقية التجارية بين الهند والولايات المتحدة بعد، بينما سبقت دول مثل فيتنام وتايلاند وكوريا الجنوبية واليابان إلى إبرام اتفاقيات مع الولايات المتحدة، وهو ما قد يُضعف القدرة التنافسية النسبية للسلع الهندية في السوق الأمريكية على المدى المتوسط والطويل. أما المسار الثاني فيتمثل في قيام التباطؤ الاقتصادي الأمريكي بكبح الطلب على الصادرات الهندية. وتتوقع وكالة ستاندرد آند بورز للتصنيف الائتماني أن يتراجع معدل نمو الاقتصاد الأمريكي من 2.8% في عام 2024 إلى 1.7% في عام 2025، وهو ما سيصبّ الماء البارد على الصادرات الهندية إلى الولايات المتحدة.
أما التأثيرات غير المباشرة فهي أكثر تعقيداً وتشابكاً. فمأزق النمو في منطقة اليورو سيثقل كاهل الصادرات الهندية الموجهة إلى أوروبا؛ وقد تقوم الصين، بعد تصاعد الاحتكاكات التجارية، بنقل المزيد من طاقتها الإنتاجية الفائضة إلى الخارج، لتصبح الهند بمثابة "صمام تنفيس" مهماً؛ وحالة عدم اليقين المستمرة بحد ذاتها تعمل على تأجيل قرارات الاستثمار الخاصة وتضاعف التقلبات في تدفقات رأس المال وأسعار الصرف. إن المرونة الكامنة في الاقتصاد الهندي تخضع الآن لاختبار ضغط يجرى على الصعيد العالمي وبشكل متزامن.
وسائد الحماية: لماذا تحافظ الهند على استقرارها؟
في مواجهة هذه الرياح المعاكسة، ليست الهند بلا استعداد. فهناك على الأقل أربع وسائد حماية تقوم بدورها.
الوسادة الأولى تتمثل في "القوة الناعمة" داخل هيكل الصادرات. تشكل صادرات الخدمات ما نسبته 47% من إجمالي الصادرات الهندية، ومن المتوقع أن تنمو تجارة الخدمات العالمية بنسبة 4% في عام 2025، في تناقض صارخ مع انكماش تجارة السلع بنسبة 0.2%. وتتميز خدمات تكنولوجيا المعلومات والتكنولوجيا المالية والاستشارات المهنية المتخصصة بحساسية أقل نسبياً تجاه الحواجز الجمركية، وهو ما يمنح سلة الصادرات الهندية قدرة طبيعية على مقاومة المخاطر.
الوسادة الثانية تتمثل في متانة ميزان المدفوعات الخارجي. من المتوقع أن يظل العجز في الحساب الجاري للهند في حدود النطاق الآمن البالغ نحو 1% من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية 2026، بينما بلغت الاحتياطيات الأجنبية 702.8 مليار دولار في يونيو/حزيران 2025، وهو ما يغطي نحو واردات عام كامل. وحتى في مواجهة التقلبات الحادة في تدفقات رأس المال العالمية، يمتلك البنك المركزي الهندي أدوات وافرة للتدخل في السوق ومنع الاختلال المفرط في سعر الصرف.
الوسادة الثالثة تتمثل في مساحة التيسير المتاحة في السياسة النقدية. فبفضل تراجع أسعار النفط العالمية، يشهد التضخم المحلي في الهند انخفاضاً تدريجياً. وتتوقع وكالة "كريسيل" أن يبلغ متوسط سعر النفط الخام نحو 65-70 دولاراً للبرميل في السنة المالية 2026، مقارنة بنحو 78.8 دولاراً في السنة المالية 2025. ولا يؤدي انخفاض أسعار النفط إلى خفض التضخم المستورد فحسب، بل يحسّن أيضاً العجز المالي وعجز الحساب الجاري. والأهم من ذلك، أن انخفاض أسعار الوقود والمواد الغذائية يعمل على تخفيف الضغط عن الأسر ذات الدخل المنخفض بشكل ملموس؛ ففي الربع الأول من السنة المالية 2026، بلغ معدل التضخم الفعلي الذي واجهته شريحة العشرين في المائة الأدنى دخلاً في المناطق الحضرية 2.4% فقط، وهو أقل من معدل 3.1% الذي واجهته الشريحة الأعلى دخلاً. وهذا التراجع المتفاوت في معدلات التضخم يفتح الباب أمام البنك المركزي لخفض أسعار الفائدة بشكل تدريجي، ويهيئ التربة المناسبة لانتعاش الاستهلاك.الرابع هو ترتيب الأولويات في السياسة المالية. على الرغم من انخفاض عجز الموازنة للحكومة المركزية الهندية من 9.2% أثناء الجائحة إلى 4.8% في السنة المالية 2025، إلا أن الحكومة ما زالت ترفع ميزانية الإنفاق الرأسمالي بشكل كبير في السنة المالية 2026. ففي الفترة من أبريل إلى مايو 2025، بلغ الإنفاق الرأسمالي للحكومة المركزية الهندية 2.21 تريليون روبية، بزيادة سنوية قدرها 54.1%؛ كما ارتفع الإنفاق الرأسمالي لـ 16 ولاية رئيسية بنسبة 15.5%. وهذا يدل على أنه حتى في إطار الضبط المالي الشامل، تواصل الحكومة الهندية "تمهيد الطريق" للنمو طويل الأجل من خلال الاستثمار في البنية التحتية.
من الدفاع إلى الهجوم: القضايا المتوسطة والطويلة الأجل للاقتصاد الهندي
على المدى القصير، تمتلك الهند ذخيرة كافية لمواجهة الصدمات الخارجية. لكن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية الحفاظ على انفتاح "النمو الموجّه نحو الخارج" في عالم يتصاعد فيه الحمائي التجاري. بالنسبة لاقتصاد مثل الهند، الذي يتمتع بوفرة في العمالة وطلب محلي ضخم وقاعدة تصنيعية لا تزال في طور التحسين، فإن العودة الكاملة إلى الدورة الاقتصادية الداخلية ستعني فقدان الفرصة التاريخية لانتقال سلاسل التوريد، في حين أن الانفتاح الأعمى قد يُلحق الضرر بالصناعات المحلية الهشة.
لتحقيق رؤية الهند في أن تصبح دولة متقدمة بحلول عام 2047، تحتاج إلى إيجاد توازن ديناميكي على ثلاثة أصعدة: أولاً، الحفاظ على تنوع محركات النمو المحلية وضمان استمرار التعاقب بين الاستثمار الخاص والاستهلاك؛ ثانيًا، جذب الاستثمار الأجنبي عالي الجودة، ولا سيما تحقيق اندماج عميق في مجالات الإلكترونيات وأشباه الموصلات والطاقة الجديدة والتصنيع المتطور؛ ثالثًا، توسيع الوصول إلى الأسواق من خلال الاتفاقيات التجارية الثنائية والمتعددة الأطراف، وبالتالي تقليل الاعتماد على سوق واحدة.
في نهاية المطاف، فإن إعادة توازن الاقتصاد الهندي لا تعني التراجع عن مسيرة الانفتاح على مدى العقدين الماضيين، بل تعني رسم منحنى جديد بين الانفتاح والأمن. وإن انحناء هذا المنحنى هو الذي سيحدد ما إذا كانت الهند قادرة حقًا على أن تصبح "الفائز الأكيد" في إعادة هيكلة سلاسل التوريد العالمية.
سجل السياق · indiaeconomicpost
تضع indiaeconomicpost هذه الملاحظة ضمن اقتصاد الهند / شركات الهند الناشئة / ممرات التجارة: ما زالت التواريخ والأسماء وتغيرات الحالة تحتاج إلى تحقق. ينبغي فتح روابط المصادر قبل إعادة استخدام الملخص؛ اقتصاد الهند / شركات الهند الناشئة / ممرات التجارة يوضح الزاوية التحريرية المحلية.